بحث منطقي

بحث منطقي

بحث منطقي 
ينقسم اللفظ من جهة التعدد والإتحاد إلى قسمين:
الأول: المفرد وهو على شعبتين:
الأولى: الذي ليس له جزء، مثل الباء في بسم الله الرحمن الرحيم.
الثانية: اللفظ الذي له جزء , ولكن هذا الجزء لا يدل على معنى مستقل مثل الجيش والسوق، فالجيش مفرد وإن كان أفراده كثيرين، إلا أنه بلحاظ اللفظ ليس لأجزائه وهي حروفه معنى مستقل يكون جزء معنى اللفظ كالجيش ذاته، وكذا بالنسبة للسوق، فليس للسين جزء من معنى السوق، وإن كان السوق يتكون من محلات ودكاكين عديدة.
الثاني: المركب: ويسمى أيضاً القول، وبينه وبين الوجه الأول أعلاه عموم وخصوص مطلق، وفق الإصطلاح المنطقي، فكل قول هو لفظ، وليس العكس .
والمركب هو اللفظ الذي له جزء يدل على جزء معناه مثل(الصلاة واجب) فكل جزء من اللفظين له معنى هو جزء من معنى المركب، وينقسم المركب إلى قسمين:
الأول: المركب الناقص وهو الذي لا يصح السكوت عليه وهو بحاجة إلى بيان مثل (إذا جاءك ضيف).
الثاني: المركب التام وهو الذي يتكون من ألفاظ يفيد إجتماعها معنى مفهوم لدى السامع، وهو على وجهين:
الأول: الخبر وهو الذي يكون مرآة لحقيقة وكاشفاًَ لمصداق خارجي وإخباراً عن أمر كما يقال(هلّ الهلال)، ويسمى(القضية) وقد يكون هذا المركب التام موافقاً للواقع ويتصف بالصدق، أو يتصف بالكذب ومخالفة الواقع.
الثاني: الإنشاء: وهو الذي لا يكون مرآة لحقيقة أو إخباراً عن أمر واقع في الواقع الخارجي، بل يتجلى المعنى بلفظ المركب، وهو على أقسام عديدة منها الأمر، النهي، الإستفهام، التمني.
وهذا التقسيم المنطقي فرع التقسيم البلاغي والنحوي في الجمل وتقسيمها إلى الجملة الخبرية والجملة الإنشائية، وتحتمل مضامين هذه الآية وجوهاً منها:
الأول: إنها قضية وخبر يفيد مطابقة الواقع ويتصف بالصدق، ووجود مصاديق خارجية له ومنها يوم بدر، إذ كان عدد القتلى من المشركين سبعين، ورجع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم  والمسلمون إلى المدينة المنورة بسبعين أسيراً من المشركين, وعدد القتلى والأسرى هذا هو المروي عن إبن عباس وسعيد بن جبير( ).
الثاني: الإنذار والوعيد للكفار بأن هلاك فريق منهم والخزي ينتظرانهم عند التعدي على المسلمين.
الثالث: تحذير الكفار من محاربة المسلمين، وتجهيز الجيوش لقتالهم، وجمع الأموال لشراء السلاح والإنفاق على الجنود , قال تعالى بخصوص الذين ينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله [فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ]( ).
وفي هذا التحذير لطف بهم وبالمسلمين، وهو من رحمة الله عز وجل بالناس في الدنيا.
الرابع: المنع من نشر الفساد في الأرض, والإخبار بان الله عز وجل يتعاهد الإيمان ويدفع عن المسلمين , ويحول دون ظهور الكفار ومفاهيم الضلالة في الأرض , قال تعالى [وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا] ( ).
الخامس: الأمر للمسلمين بالدفاع عن بيضة الإسلام، والبشارة بالنصر بالإخبار عما يلقاه عدوهم عند اللقاء .
السادس: زجر الكفار الذين في الوسط أو الأطراف البعيدة عن المسلمين من التقدم إلى الطرف الذي يلي المسلمين، وتخويف الذين لم يشتركوا بالهجوم على المسلمين من الإشتراك فيه والإعانة عليه بلحاظ المعنى الأعم للطرف وأن المراد منه مواجهة المسلمين ومحاولة الإجهاز عليهم.
السابع: من خصائص المعجزة التحدي , وعجز الناس عن الإتيان بمثلها، ومن مصاديق هذه الآية عجز الكفار عن دفع القطع والهلاك الذي يصيبهم، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على جماعة من رؤساء قريش لشدة ما آذوه وأصحابه، فكانوا صرعى في القليب يوم بدر، لتتجلى حقيقة وهي أن التحدي في الآية القرآنية إنذار وبشارة، ودعوة للتدارك.
ومن الآيات إجتماع وتداخل هذه الوجوه، فالتقسيم إلى خبر وإنشاء تقسيم إستقرائي، والآية القرآنية أعم في دلالتها ومعانيها من أن تنحصر بهذين الأمرين , كما تتصف القضية القرآنية بالصدق وموافقة الواقع بجعل المسلمين يتلقون ما فيه من الأمر والنهي والوعد والوعيد بالتصديق والقبول لها بالذات ولغيرها من مضامين القرآن لوجوه:
الأول: صدق الجزء يدل على صدق الكل.
الثاني: وحدة الموضوع في تنقيح المناط.
الثالث: تعلق الصدق بنزولها من عند الله، وهو طبيعي كلي يتغشى آيات وكلمات القرآن على نحو العموم الإستغراقي.
الرابع: إتصاف القرآن بالسلامة من الزيادة أو النقصان.
وإذا كان الإنشاء يعرف بأنه لا يوصف بالصدق أو الكذب فان الإنشاء في القرآن يمتاز بخصوصية وهي أنه حق وصدق .
ولا تنحصر معانيه بالترشح عن اللفظ وحده، بل هي قواعد وقوانين قائمة بذاتها، وتلك آية في كلام الله، ومصداق من الإعجاز الذاتي والغيري للقرآن، جعل أساطين البلاغة أيام التنزيل يطأطؤن رؤوسهم مذعنين مقرين بنزوله من عند الله , وإتصاف المركبات بحقائق ثابتة في نفسها لا يتعارض مع أحكام التوبة والمحو , قال تعالى [َمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ).
ليكون فيه معجزة حسية وعقلية أخرى على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم  ولزيادة إيمان الصحابة رجالاً ونساءً، وبعث المسلمين على الجهاد والصبر والإندفاع بشوق إلى سوح القتال دفاعاً عن الإسلام ويرجع الكفار إلى مكة المكرمة , وليس معهم أسير من أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، في وقت قد وعدوا أهلها بالإنتقام من النبي وأصحابه، ليكون هذا الرجوع كبتاً وخيبة للمشركين سواء الذين حضروا المعركة منهم أو الذين لم يحضروا.