بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مكتب المرجع الديني الشيخ صالح الطـائي 
صاحـب أحســن تفسـير للقرآن       
وأستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق                 العدد:572

________________                  

م/إصطلاح العلمانية تحريف عن الدنيوية
 أختلف في علم الكلام هل الإسم هو عين المسمى أم هناك  تباين بينهما، والمشهور والمختار هو الثاني فالاسم غير المسمى ودليل عليه، والعلمانية كاصطلاح يستعمل في غير موضوعه، فالأصل فيه أنه كلمة إنكليزية هي(SECAIARISM) وتعنى الدنيوي والمادي، فلا صلة لها بالعلم والعلمانية،وليس فيها ما يشير إلى الدين والأمور الروحانية ونفيها، ونقل عن دائرة المعارف البريطانية في معناها: هي حركة إجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجههم من الإهتمام بالآخرة إلى الإنشغال بحب الدنيا وحدها، نعم تتقوم هذه النظرية بالإعتماد على المادية وحدها، وإنكار الأديان، وفصل الدين عن السياسة، ولا بد من دراسة الأحوال التي نشأت فيها هذه النظرية، إذ أنها ظهرت في أوربا في القرن السادس عشر الميلادي بقصد التخلص من إستبداد وهيمنة رجال الكنيسة على أمور الحياة لأنهم إعتبروا طلب العلم هرطقة، وحاربوا البحث التجريبي، وأسسوا محاكم التفتيش يحاكم فيها الناس بالشبهة والظنة، ومن يتهم بالهرطقة، يضرب ليقر بذنبه، وإن إنكر أو إمتنع يزداد عليه العذاب وقد يلقى في المحرقة، وقيل أن الذين حوكموا ثلاثمائة ألف، والذين أحرقوا أحياء منهم إثنان وثلاثون ألفاً، وممن أخذ للمحاكمة(جاليلو) لأنه قال بدوران الأرض، ولا تجد عالماً من المسلمين يعيب من يقول بدورانها، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد).
وهناك سبب آخر للنظرية المادية في أوربا وهو العداوة والمذابح التي جرت بين الكاثوليك والبروستانت فجاءت هذه النظرية لوقف تلك المذابح، وظهرت نظرية العقد الإجتماعي وقال بها جان جاك روسو ومفادها أن الشعوب الأوربية لاقت العناء والضرر من سلطة رجال الدين فأخذت تسعى إلى الحرية والإرادة وقالوا نعقد عقداً بين شعوبنا وعقلائنا وأهل الفكر والدراية منا ,فكان خطوة أولى نحو الديمقراطية، ولكن الأمر في الإسلام مختلف تماماً لأنه دين العلم، وأول آية نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي[اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ] والعلم هو سر إنتشار الإسلام في مغارب الأرض ومشارقها، ومن الخطأ الظن بأنه إنتشر بالسيف، ومن الآيات عدم وجود تزاحم أو تعارض بين أمور الدين والدنيا في الإسلام، وهو دين متكامل يشمل جميع نواحي الحياة ويدعو إلى الشورى والبحث العلمي ومنع الظلم والبغي، إن الإسلام هو دين العلم والعلمانية، ولا بد من التمييز بين المادية التي هي أصل إصطلاح العلمانية، وبين العلم ومشتقاته التي يبعث الإسلام عليها وليس لرئيس دولة عربية أو إسلامية القول بأن دولته مادية دنيوية، فهي إسلامية يكون الكتاب والسنة المصدر الأساسي للتشريع فيها.
إن إصطلاح العلمانية محرف من كلمة تعني المادية والدنيوية ظهرت في أوربا في حال خاصة، ونقلها إلى بلاد الإسلام مع التحريف، ونسبتها إلى العلم تعد وضلالة وإيهام للناس فلابد من التصدي لهذا النقل المحرف وبيانه، بالإضافة إلى حقيقة وهي التباين بين حال المسلمين وغيرهم، فقد أنعم الله عز وجل على المسلمين بخصوصية وهي سلامة القرآن من التحريف، وهو الذي جعله الله[تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] وفيه البعث على العلم، والمنع من الظلم والإستبداد، وفيه وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل مسلم ومسلمة، ومنه لزوم فضح إنعدام الأصل لإصطلاح العلمانية. 
ذكر الطبري في تاريخه  قال: لما ورد ابن السوداء الشام لقي أبا ذر فقال: يا أبا ذر أ لا تعجب إلى معاوية يقول: المال مال الله ألا إن كل شيء لله: كأنه يريد أن يحتجبه دون المسلمين، و يمحو اسم المسلمين. فأتاه أبو ذر فقال: ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله؟ قال: يرحمك الله يا أبا ذر أ لسنا عباد الله و المال ماله و الخلق خلقه و الأمر أمره؟ قال: فلا تقله، قال: فإني لا أقول: إنه ليس لله، و لكن سأقول: مال المسلمين ) ، أي أن الصحابة التفتوا إلى الإصطلاح لموضوعيته وأثره.
وانتزعت من وقت إنشغالي بكتابة الجزء الثالث والثمانين من التفسير وهو الرابع في تفسير آية (لاتأكلوا الربا)  وبحوث الحوزة لأصدر هذا البيان في مسألة إبتلائية في التأريخ المعاصر ومستقبل الأيام.
والترغيب في حكم الإسلام وفق قواعد العلم، ومفاهيم الديمقراطية لا يتعارض مع الصدور عن القرآن والسنة، بل يزيدها بهاء، ويجعلها أكثر بهجة، وقد وقف المستشرقون منبهرين أمام حضارة الإسلام وبعثه على طلب العلم، وأمره بالشورى وقال غوستاف لوبون في كتابه(حضارة العرب): الإسلام من أكثر الديانات ملائمة لإكتشافات العلم ومن أعظمها تأديباً للنفوس، وحملاً على العدل والإحسان والتسامح).
ومن وظائف الشباب الرسالي السعي في الفيس بوك وغيره لفضح التزوير والتحريف في أصل هذا الإصطلاح , وبذل الوسع لتأسيس قانون عالمي يتغشى الأجيال القادمة وهو أن الإسلام هو دين العلم والعلمانية في ميدان الحكم والرفعة الأخلاقية وحسن العشرة , وهو من عمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،وقاعدة نفي الجهالة والغرر , وقوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] .
 
 
حرر في النجف الأشرف            صالح الطائي
20/3/2011