بحث أصولي من الجزء (108)

بحث أصولي من الجزء (108)

بحث أصولي

تتضمن صيغة (لا تفعل) ترك الفعل، ولا بد أن يكون الترك وعدم الفعل هو الراجح، وفيه وجوه:

الوجه الأول : الوهن والحزن ممتنعان، فتنشر حرمة التلبس بهما.

الوجه الثاني : لا دليل على إمتناع الوهن والحزن، فتنتفي الحرمة، ليكون الحكم هو الكراهة، وهو على شعب:

الأولى : المصلحة الأخروية.

الثانية : المصلحة الدنيوية.

الثالثة : المصلحة الدنيوية والأخروية.

والصحيح هو الشعبة الثالثة من جهات:

الأولى : إرادة طاعة الله، والإمتثال لما ورد في الآية السابقة.

الثانية : قصد القربة في إجتناب الوهن والحزن.

الثالثة : تجلي النفع الحال بالسلامة من الهزيمة ومن الأمراض ولا تختص المصلحة هنا بالمسلمين بل تشمل غيرهم لما في عدم الوهن والحزن من مقدمات الدعوة إلى الله عز وجل، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ]( )، وتحتمل العصمة من الوهن والتباعد عن الحزن بلحاظ الآية أعلاه وجوهاً:

الأول : كل فرد من عدم الوهن وعدم الحزن من الدعوة إلى الخير.

الثاني : كل فرد منهما من الأمر بالمعروف.

الثالث : كل من فرد منهما من النهي عن المنكر.

الرابع : عدم الوهن من الدعوة إلى الخير، وعدم الحزن من الأمر بالمعروف.

الخامس : عدم الوهن من الأمر بالمعروف وعدم الحزن من النهي عن المنكر.

السادس : عدم الوهن من النهي عن المنكر، وعدم الحزن من الدعوة إلى الخير.

والصحيح هو الأول والثاني والثالث، ليكون المجاهدون في سوح المعارك من الأمة التي ذكرتها الآية أعلاه[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ] فيأتيهم الثواب العظيم والأجر بذات الفعل والترك والأثر على الذات والغير، وهل ينحصر الغير هنا بالمجاهدين والمرابطين الذي يرونهم في أمن وسلامة من الوهن.

الجواب لا، فالنفع والأثر لهذا الفعل المبارك متصل ومتجدد إلى يوم القيامة وقد تكون بعض الخيرات ذات مصلحة أخروية لباذلها إن قصد بها القربة إلى الله ودنيوية للقابل كما في الضيافات وإنقاذ الغرقى والإقراض، نعم قد يكون القرض لمصلحة أخروية للمقترض أيضاً إن صرفه في مرضاة الله، وقد يكون لمصلحة دنيوية لذات المقرض إن أراد به مصلحة دنيوية ولم ينو قصد القربة، أو أن ينوي الفرد الجامع لهما من غير أن تصل النوبة إلى الرياء.

الوجه الثالث : النهي حقيقة في الحرمة ومجاز في الكراهة ونحوها.

الرابع : إرادة الكراهة حقيقة.

الخامس : التوقف وعدم  القطع بالحرمة أو الكراهة، وهو مذهب الأشعري بلحاظ الوجوب في الأمر، وبه قال القاضي أبو بكر والغزالي من أصحابه وغيرها، ومال إليه الآمدي.

السادس : الإشتراك بين الحرمة والكراهة ولا يعرف أحدهما إلا بالقرينة والأمارة.

ونضيف قولاً آخر وهو أن ذات الأمر قد يكون مرة واجباً وأخرى مندوباً بحسب اللحاظ والقرائن والكم والكيف، وكذا النهي قد يكون محرماً مرة وأخرى مكروهاً والبيان تابع للمبين.

وبخصوص قوله تعالى[وَلاَ تَهِنُوا] فانه يدل على حرمة الوهن والضعف، قال تعالى[فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ] وهل يحمل عدم الوهن على الكراهة في حالات كما لو كان المسلمون في حال من المنعة والقوة.

الجواب لا دليل عليه، أما أحكام التقية والصبر وقاعدة الميسور فهي أمور خارجة بالتخصص عن هذا الباب، وأما قوله تعالى[وَلاَ تَحْزَنُوا] فهو على وجوه:

الأول : حرمة الحزن في حالات:

الأولى : الحزن الطاغي المستحوذ على النفس.

الثانية : الحزن المانع من التدبير.

الثالثة : ما يؤدي إلى القعود عن الدفاع.

الرابعة : الحزن الذي يجعل المؤمن منشغلاً بالبكاء ونفسه ممتلئة بالحسرة والأسى.

الخامسة : الحزن الذي يكون مقدمة للهزيمة والإنكسار، لقاعدة حرمة المقدمة لحرمة ذيها.

الثاني : كراهية الحزن في حال قلته وعدم غلبة أثره على الجوارح.

الثالث : إباحة الحزن في المصائب الخاصة وفي حزن يعقوب على فراق يوسف وإنقطاع خبره لسنوات، قال تعالى[وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ].

فمن الإعجاز في الآية أعلاه إقتران الحزن بكظمه وكبته ومنعه من الظهور على الجوارح وفي عالم الأفعال ليكون حلية للمصاب، وشاهداً على حسن التوكل على الله.

ويستقرأ التفصيل بين الحرمة والكراهة في ذات الموضوع المنهي عنه، وكذا بين الوجوب والندب في أمور:

الأول : ما يكون من الكلي المشكك الذي هو على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً، فيكون أدنى مراتب الوجوب متصلاً مع أشد مراتب الكراهة.

الثاني : ما يتباين موضوعه وأثره بحسب الحال وإختلاف المزاج والمناسبة.

الثالث : موضوعية القرائن والأسباب، والأمور الخارجية، والأثر الذي يأتي من الغير.

الرابع : حصول وضع وحالة طارئة تنقل الحكم من الحرمة المتعارفة إلى الكراهية أو بالعكس.

وقد أختلف في النهي عن الشئ هل هو أمر بضده أو لا، وليس من قاعدة كلية في المقام، فقد يفيد النهي عن الشئ أمراً بضده، وقد لا يفيده، أو ليس من ضد في المقام.

فقوله تعالى[وَلاَ تَهِنُوا] يعني ضرورة البقاء على الأصل وهو بذل الوسع في القتال، وعدم القعود أو التهاون في ملاقاة العدو أو التفريط بالواجبات العبادية.

أما قوله تعالى[وَلاَ تَحْزَنُوا] فضد الحزن الفرح والسرور، ومن أمثالهم:الترحة تعقب القرحة.

والترح: الحزن والأسى، و(الترح: الهبوط)، ولم تدل الآية في مفهومها على البعث على الفرح والسرور , فالقدر المتيقن منها إجتناب إستيلاء الحزن على النفوس، قال تعالى[لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ].

ليدل الجمع بين قوله تعالى[إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ][ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ] على عدم إطلاق المثل أعلاه وأن المسلمين يخرجون بالتخصص منه، فمع التقوى ليس مع القرح والجرح والضرر إلا العز والفخر وأسباب النصر.