بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 مكتب المرجع الديني الشيخ صالح الطـائي 

صاحــــــــب أحســـــن تفســـير للقرآن  

وأستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق                   العدد: 188

_________________                                                          

م/ جواز الصوم لمن سافر بعد الفجر

الحمد لله الذي أنعم علينا بصدور تسعين جزء من التفسير في سورة البقرة وشطر من سورة آل عمران في آية علمية جهادية لم تطل على الأرض مثلها

الحمد لله الذي جعل التكاليف رحمة وزلفة إليه وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

ولقد إزداد سفر الناس في هذه الأيام وهو من النعم الإلهية بكثرة المركبات وتعددها فمنها البرية والجوية والبحرية، وإتصافها بالسرعة الفائقة , فتقاربت البلدان , وتشعبت المصالح، وتوسعت موارد الرزق وطلب المعيشة مما يقتضي التدبر في النصوص بما فيه التخفيف عن المؤمنين من غير خروج عن الكتاب والسنة، والمشهور جواز بقاء المكلف على صومه إن سافر بعد زوال الشمس وفيه نصوص بلحاظ ذهاب عامة النهار، ولكن وردت نصوص أخرى في طولها تفيد المعنى الأعم وجواز الصوم لمن سافر بعد طلوع الفجر منها:

الأول: في صحيحة رفاعة قال : سألت أبا عبدالله الصادق  عليه السلام  عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان حين يصبح ؟ قال : يتم صومه يومه ذلك

الثاني:  وفي الصحيح عن إبن أبي عمير ، عن رفاعة قال : سألت الإمام الصادق عليه السلام عن الرجل يريد السفر في رمضان ؟ قال : إذا أصبح في بلده ثم خرج فان شاء صام وإن شاء أفطر.

الثالث: في خبر سماعة قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : من أراد السفر في رمضان فطلع الفجر وهو في أهله فعليه صيام ذلك اليوم ، إذا سافر لا ينبغي له أن يفطر ذلك اليوم وحده . والمشهور والمختار دلالة لفظ ينبغي على الإستحباب,ونفيه على الكراهة.

الرابع:  في خبر سماعة قال : سألته عن الرجل ، كيف يصنع إذا أراد السفر ؟ قال : إذا طلع الفجر ولم يشخص فعليه صيام ذلك اليوم ، وإن خرج من أهله قبل طلوع الفجر فليفطر ولا صيام عليه.

الخامس: عن الإمام الرضا عليه السلام: إذا أصبح في أهله فقد وجب عليه صيام ذلك اليوم إلا أن يدلج دلجة) أي يسير وقت السحر وآخر الليل.

وقد أعرض مشهور المتقدمين والمتأخرين عن هذه الأخبار، وإحتار بعضهم في الإختلاف بين النصوص، ومنهم من حمله على التقية، ولكن الأمر أعم، ويبين الإعجاز في النصوص، وموافقتها للكتاب، ومناسبتها في إختلافها للتباين في أحوال الناس وما يطرأ عليهم , ومنه التقارب بين الأمصار وسهولة السفر، وكثرته، وإتخاذه  وسيلة لطلب الرزق، مع الحرص على الجمع بينه وبين الصيام، وهذا الحرص أصبح ظاهراً وأمراً ملحاً وسؤالاً إبتلائياً متكرراً.

وللسعة والمندوحة في آيات الصيام في القرآن وللنصوص أعلاه، وقاعدة نفي الحرج في الدين.

نفتي بما يلي :

جواز صيام المكلف إذا غادر بيته أو محل إقامته مسافراً بعد طلوع الفجر وله أن يفطر مع القضاء, والصيام هو الأولى حسب مقتضي النصوص أعلاه،  ويجوز له صيام اليوم التالي إذا وصل إلى بلده أو محل إقامته قبل زوال الشمس أي قبل أذان الظهر؟

السادس: في كتاب من لايحضره الفقيه للشيخ الصدوق سأل زكريا بن آدم أبا الحسن الرضا عليه السلام " عن التقصير في كم يقصر الرجل إذا كان في ضياع أهل بيته وأمره جائز فيها يسير في الضياع يومين وليلتين وثلاثة أيام ولياليهن؟ فكتب: التقصير في مسيرة يوم وليلة).

وحمل الفقهاء المراد من المسير يوم وليلة على ثمانية فراسخ، ولكنه أعم , ويدل على السعة في حكم المسافر في هذا الزمان خصوصاً مع إنتفاء العناء والمشقة في السفر وطي الأرض، ووجود الشوق للبقاء على الصيام , الذي هو عبادة بدنية ملاكها الصبر , وغلبة روح الإرادة , وقهر الشهوات واللذات.

وصحح أن الإفطار في السفر عزيمة وليس رخصة إلا أن الذي يسافر بعد الفجر يصدق عليه أنه مقيم وأنه مسافر، فيكون في سعة وتخيير  إن شاء صام وان شاء أفطر والصيام أولى, وهو الذي تدل عليه النصوص أعلاه وكذا الذي يصل أهله قبل الزوال والله واسع كريم.

 وجاءت آيات الصيام الثلاثة في جزء مستقل من تفسيرنا( ), لنوظف علم التفسير في التيسير والتخفيف عن الشباب الرسالي، وقد أصدرنا قبل ست سنوات فتوى العصر في عدم شمول السيارة والطائرة بحرمة التظليل.

أما مسألة فهي عامة البلوى، وأدلتها ظاهرة الصيام في السفر.

وليس من تعارض بين فتوانا بالصيام لمن سافر بعد الفجر وبين أقوال الفقهاء المتقدمين والمتأخرين للتباين في الموضوع، فهم ناظرون إلى السفر على الدابة والسير على الأقدام تحت الشمس , أما المعصوم فهو ناظر إلى التباين في الحال، وللفقيه في هذا الزمان أن يأخذ بما يناسب الحال والزمان مما يوافق الكتاب والسنة، وإذا تغير الموضوع تبدل الحكم مع العمل لمن شاء الإفطار في السفر بقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه).

وفيه شاهد على الإعجاز في الشريعة السمحاء وملائمتها لكل الأحوال، قال تعالى بخصوص الصيام والسفر أو المرض فيه [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ]، لتكون هذه الفتوى والعمل بها وسيلة للفوز بإتمام العدة  وجعل المؤمن مخيراً بين الصيام أول يوم من السفر في مسألة إبتلائية عامة في هذا الزمان، فمن المؤمنين من يحتاج السفر ليوم واحد وعلى نحو متكرر، أو أنه يصل في مساء ذات اليوم إلى محل إقامته, والعلم عند الله.

 

 

حرر في النجف الأشرف

21/رمضان/ 1431