بحث أصولي-ولا تهنوا-

بحث أصولي-ولا تهنوا-

هذا البحث من الجزء السابع بعد المائة صفحة(67)

بحث أصولي

يحتمل النهي عن الوهن أموراً:

الأول : الزجر عن ذات الوهن والضعف.

الثاني : إرادة بقاء المسلمين على الأصل وهو قوة الشكيمة والعزيمة في مواجهة الأعداء.

الثالث : المقصود من النهي هو الأمر بالعزيمة والقوة بلحاظ علي القول بأن النهي عن الشئ أمر بضده الذي فيه ثلاثة وجوه:

الأول : النهي عن الشئ هو عين الأمر بضده، كما لو قال لا تسافر فهو عين الإقامة في المكان.

الثاني : ليس من ملازمة بين النهي وضده ولا يتضمن النهي معنى الأمر، وبه قال المعتزلة، والإنباري عن المالكية، وإمام الحرمين والغزالي من الشافعيه.

الثالث : النهي عن الشئ ليس هو الأمر بضده، ولكن يستلزمه لإستحالة الجمع بين الضدين.

ويتقوم الأمر بالطلب والبعث على الفعل، أما النهي فهو لفظ يفيد الترك والزجر، ولا تصل النوبة إلى ما قيل من تقسيم الأمر إلى نفسي ولفظي والمراد من الأول هو المعنى الموجود في الذات الخالي من الصيغة.

واتبنى بعضهم مسائل على هذه القاعدة، فعل القول بأن الأمر بالشئ نهي عن ضده فان الأمر بالصلاة نهي عن السرقة وعن لبس الحرير وان النهي عنهما يفيد فساد الصلاة معهما أو مع أحدهما لأن النهي يقتضي الفساد.

ولا دليل على الوجه الأول أعلاه، والوجه الثالث هو الأرجح ولكن الثاني يكون في طوله في حالات:

الأول : عدم وجود الضد.

الثاني : تعدد الضد.

الثالث : التباين الرتبي بين أفراد الضد.

الرابع : وجود الضد الذاتي والعرضي، والمستقر والمتزلزل.

وقد لاتحيط مثل هذه القواعد بالموضوعات وأحكام الأوامر والنواهي وهو من الأسرار والإعجاز والمتكامل في الشريعة الإسلامية، ويدل لها التعدد وإستقلال كل من الأمر والنهي قوله تعالى[وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( )، فلم تكتف الآية بالأمر ووجوب أخذه والعمل به بل ذكرت النواهي التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم إجتناب مصاديقها.

الخامس : بيان الوظائف العقائدية والجهادية التي يتحمل أعباءها المسلمون في بناء صرح الدولة الإسلامية، وتثبيت أحكام الحلال والحرام، وبيان الصحة من الفساد في المعاملات.

السادس : تهيئة ودعوة المسلمين لقادم الأيام، وأخذ الحائطة من المشركين، وطرد الغفلة في أمور الدين والدنيا.

السابع : تأديب المسلمين على قانون ثابت وهو إعطاء الأولوية إلى الضرر وتقديمة على الأمس، ولا يعني هذا ترك التراث والتجربة، بل جاءت النصوص بالعناية بهما وبالإنسان وإتخاذ الوقائع والحوادث موعظة ودرساً ومادة للنهج القويم، وليكون الإحتراز والنهل منها من مصاديق قوله تعالى[وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ]( )،  وتقدير الجمع بين الآيتين(ولا تهنوا إن يمسسكم قرح لا تحزنوا) لبيان حقيقة وهي أن الدفاع والدعوة إلى الله سبب لتلقي الأذى والضرر، فالذي يجتهد في السعي في مرضاة الله ويصاب بالجراح وقد يفقد الأحبة عليه أن لايحزن وهل يصح التقدير: ولا تحزنوا إن يمسسكم قرح لاتهنوا، الجواب نعم ولكن يحتمع هنا النهي عن الحزن والشرط عند الإصابة بالجروح قم يأتي ترك الوهن والضعف بينما يكون من الإعجاز في تقديم عدم الوهن على الإصابة بالجروح الدلالة على أن هذه الجروح أصابت المسلمين وهم مقبلون على القتال، عازمون على بذل الوسع في سبيل الله، قال تعالى[فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا]( ).

الثامن : يسعى الإنسان مع الحزن، ويدافع المؤمن عن بيضة الإسلام من غير أن يثنيه الحزن الذي ألم به، أما الوهن فانه بذاته سبب للقصود، ليكون من إعجاز الآية أولوية ما يتمم معه السعي والدفاع من غير عوائق ذاتية خاصة، وهو من مصاديق قوله تعالى[الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي]( ).

وفي معركة أحد ومع ما تعرض له المؤمنون من الجراحات والكلام فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر مؤذناً ينادي بالخروج في طلب جيش المشركين المنهزم إلى مكة  المكرمة وفيه مسائل:

الأولى : أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج خلف العدو من مصاديق[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( )، وفيه آية لإقتباس الدروس والمواعظ والعبر من نهج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

الثانية : فيه شاهد بأن المسلمين لم ينهزموا في معركة أحد، فالخاسر والمنهزم يجر أذيال الهزيمة ويتمنى ألا يرجع العدو ولا تعود المعركة في أوانها.

الثالثة : بيان إخلاص أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الجهاد في سبيل الله، وتلقين الكفار دروساً لزجرهم عن إعادة الكرة في الهجوم على المسلمين.

الرابعة : إنصياع الصحابة لأمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلامحقة المشركين مع ما فيهم من الجراحات، وهو من مصاديق الجمع ين[وَلاَ تَهِنُوا] و[إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ]، قال إبن أسحاق: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الاسد، وهى من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها الاثنين والثلاثاء والاربعاء ثم رجع إلى المدينة( ).