أصالة الهدى : علم أصولي جديد

أصالة الهدى : علم أصولي جديد

أصالة الهدى : علم أصولي جديد  

لقد جعل الله عز وجل الدنيا دار إمتحان وإبتلاء وأمر إبليس بالهبوط مع آدم وحواء إلى الأرض ليكون سبباً ومادة وموضوعاً للإفتتان , وللنكاية به برؤيته المؤمنين في صلاحهم وتقواهم، ولعنهم له بكرة وعشياً , ويكون الأصل في حال الإنسان على وجوه محتملة:

الأول : الهدى وتلقي الآيات والمعجزات بالقبول.

الثاني : الغواية والضلالة.

الثالث : الأصل أن الإنسان كالصحيفة البيضاء ،وهو الذي يختار الهدى أو الضلالة .

 والصحيح هو الأول , وتدل عليه هذه الآية , وفيه بيان للناس , وهل من أثر يترتب على أصل الهدى في باب التوبة والإنابة، الجواب نعم من وجوه:

الأول : إنجذاب النفس إلى الإيمان ومفاهيمه , وهو من مصاديق قوله تعالى[وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ]( ).

الثاني : إقامة الحجة على الناس , ومنعهم من الجدال بالباطل والمغالطة.

الثالث : التخفيف عن بني آدم وإصلاحهم لفعل الخيرات.

الرابع : جعل الأصل هو الهدى من اللطف الإلهي بالناس، وسعة رحمته سبحانه، وفيه واقية من وسوسة إبليس.

الخامس : إستدامة الشوق إلى الإيمان في نفس الإنسان، والميل إلى المؤمنين، والنفرة من إيذائهم وصدهم عن أداء العبادات.

السادس : تذوق الإنسان حلاوة الإيمان ،وإحساسه بالبهجة المترشحة عن الهدى.

السابع : تيسير طريق التوبة والإنابة والترغيب فيه.

الثامن : إعراض الناس عن أهل الغواية والضلالة.

التاسع : تجلي مفاهيم القبح الذاتي للنفاق، وفضح المنافقين . 

ويدل على أصالة الهدى قوله تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( )، بلحاظ الملازمة بين الخلق والهدى، فتأتي مقدمات الضلالة على نحو عرضي فيشتريها بعض الناس بالأصل وهو الهدى، فلذا ذمهم الله عز وجل على هذا الشراء، وقال سبحانه[إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً]( ).

إن مبحث (أصالة الهدى) علم جديد تتفرع عنه دراسات متشعبة، وتتجلى فيه مضامين قدسية من جهات:

الأولى : بيان فضل الله عز وجل على الناس، على نحو العموم الإستغراقي والمجموعي والبدلي.

الثانية : دعوة  الناس للشكر لله عز وجل على نعمة أصالة الهدى.

الثالثة : بيان قانون كلي وهو أن الله عز وجل هو القوي الذي له المشيئة المطلقة في الخلق.

الرابعة : الإنذار والوعيد على الجحود وبهذا الأصل المبارك. 

الخامسة :تأكيد فوز المسلمين بهذه النعمة إذ أنهم يتلون عدة مرات كل يوم وعلى نحو  الوجوب العيني (الحمد لله رب العالمين) ( ) فإن قلت إن نعم الله عز وجل على الإنسان أكثر من أن تحصى، ولا دليل على تغشي هذا الحمد والثناء لكل نعمة , وقد يكون الأصل هو لزوم شكر الله عز وجل على كل نعمة على نحو التعيين والإختيار.

والجواب إن الله عز وجل يرضى بالقليل على الكثير الذي يعطيه، وينمي هذا القليل ليكون علة لكثير آخر ومتجدد من النعم الظاهرة والباطنة.

السادسة : ترشح نعمة التمسك بالنبوة والقرآن ونهج الصراط المستقيم وأداء الفرائض والمناسك عن أصالة الهدى، وهو مصاديق قوله تعالى[وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا]( ).

السابعة : ملازمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للفطرة وأصل الخلق، وفيه آية وهي تلقي الطرف الآخر وهو المأمور أو المنهي لذات الموعظة والنصح بالقبول وعدم النفرة ولا عبرة بالقليل النادر، نعم قد تجد الصدود والإعراض من الذي إشترى الضلالة بالهدى وأصر عن الكفر والمخادعة، وجئنا بالحرف (قد) أعلاه لإفادة التقليل ولبيان عدم الملازمة بين أمور :

ألأول : شراء الضلالة 

الثاني :الصدود عن الموعظة .

الثالث :الإعراض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 وهو من ثمرات أصالة الهدى التي تتصف بخصوصية وهي أن الضلالة وشراؤها لا يأتي على ذات الهدى وسنخية الإيمان عند الإنسان لذا قال تعالى[وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ]( )، وتتصف الغشاوة بالرقة وأنها لا تحجب الرؤية على نحو السالبة الكلية، كما أن أصالة الهدى تمنع من طرو السُمك على تلك الغشاوة لذا جاءت الآية لمنع إستدامة هذه الغشاوة ولإزاحتها من على الأبصار والبصائر، فأصالة الهدى تتعدى المفهوم الأصولي لتبقى راسخة متجددة وإن طرأ بالعرض نقيضها.

وتبين آيات الهدى قانوناً ثابتاً وهو أن الأصل هو الهدى وأن النشأة والحياة الدنيا تتقوم بالهدى وهو من فضل الله عز وجل على الإنسان ومصاديق الخلافة في الأرض والنفخ الروحي، قال تعالى[وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ]( ).

ويبين قوله تعالى في ذم الكفار والمنافقين [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى]( )أن رأس مال الإنسان هو الهدى والإيمان وهو من رحمة الله عز وجل بالناس  ومعاني الخلافة في الأرض ، وجعل بعضهم يدفع بعضهم الآخر عن منزلق الجحود والضلالة ، ويجذبه إلى مقامات الإيمان والصلاح .

وتتضمن الآية أعلاه تذكير الناس بنعمة الله عليهم مجتمعين ومتفرقين ، وأن كل واحد منهم جاء إلى الدنيا ومعه كنز الهدى النافع للبصر والبصيرة , والمانع من الغواية والضلالة ، ويغبط الناس أحدهم إن جاءه ميراث وتركة كبيرة بينما تفضل الله عز وجل وجعل عند كل إنسان حرز وسلاح وخزينة الهدى وما يجلبه من الغنى الذاتي والثواب العظيم ، وهو نعمة تترشح عنها في كل آن نعم عظيمة وتبتنى عليها سنن عقائدية , قال تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ).

وتكون أساساً لمباحث أصولية ، إذ يجب على علماء الأصول التدبر في القرآن والرجوع إلى آياته أولاً لإستنباط القواعد والأحكام بعد الجمع الموضوعي بينها , والأعلمية بعلوم القرآن والفقه , فمثلاً ذهب المشهور إلى تكليف الكفار بالفروع وهو المختار ومن خالف كأبي حنيفة قال بأنهم غير مكلفين بالفروع وإستدليت على المختار بقوله تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً]( ).

 فلم تأت الآية بصيغة المؤمنين أو المسلمين ، ولم تقل (ولله على الذين آمنوا حج البيت ) ليكون من أسرار الآية أعلاه ان الخطاب التكليفي بالحج يتوجه إلى الكافر المستطيع لما عنده من النعم من الله عز وجل وأسباب الإستطاعة , لتكون حجة عليه وشاهداً على خسارة تجارته لشرائه الضلالة , ولا يتوجه ذات الخطاب للمسلم الذي لا يملك الزاد والراحلة لإنتفاء الواجب المشروط بإنتفاء شرطه.

ومن الإعجاز في المقام أنه لم تمر سنوات قليلة على هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى صار المسلمون في حال غنى وسعة وكسدت تجارة قريش وإنشغلوا عنها بالظلم والتعدي على المؤمنين وثغر الإسلام ، قال تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ).