بحث منطقي من الجزء الواحد بعد المائة من تفسيرنا للقرآن

بحث منطقي من الجزء الواحد بعد المائة من تفسيرنا للقرآن

بحث منطقي

من مصطلحات علم المنطق القضية وهو الخبر، والمركب التام الذي يصح وصفه بالصدق بلحاظ مطابقته للواقع، أو الكذب لمخالفته الواقع، والقرآن منزه عن التنافي وعوارضه في ذاته ومدلولاته الإلتزامية، ومع أن القرآن بيان لكل شيء فليس فيه إلا الصدق والحق، وبه تتقوم الحياة الدنيا، وفيه دلالة على تخلف الكذب عن مراتب وشأن الصدق عند الناس، وملائمته للفطرة الإنسانية، إذ تميل النفوس إلى الصدق وتنفر من الكذب عن مراتب وشأن الصدق عند الناس، وملائمته للفطرة الإنسانية، إذ تميل النفوس إلى الصدق وتنفر من الكذب والباطل، هذا الميل من رشحات قوله تعالى[وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ]( )، وأمره تعالى للملائكة بالسجود لآدم بلحاظ حب الإنسان للعبادة وغلبة العقل على الشهوة.

وتنقسم القضية إلى قسمين:

الأول : القضية الحملية، وتتكون من ثلاثة أطراف بلحاظ الحكم فيها وهي:

الأول : المسند إليه أو المحكوم عليه ويسمى الموضوع.

الثاني : المسند ويسمى المحمول.

الثالث : النسبة بين الطرفين.

وهي على شعبتين:

الأولى : الإتحاد بين الطرفين كما تقول الحج نسك.

الثانية : نفي الإتحاد بين الطرفين: الربا ليس حلالاً.

وسميت هذه القضية حملية لأن أحد طرفيها وحديهما محمول على الآخرة وكأنه من الذات والعرض.

الثاني : القضية الشرطية، وهي التي يحكم فيها بوجود نسبة بين الطرفين أو نفيها، وتكون قائمة بالإتصال أو التعليق أو النفي، وبذا نختلف عن القضية الحملية التي تتقوم بإتحاد الطرفين أو نفي الإتحاد بينهما، ومن الأمثلة على القضية الشرطية قوله تعالى[إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا]( )، ومفهومها إذا لم يأت الأجل وأوان مغادرة الدنيا فإن الملائكة لا يقبضون روح الإنسان.

وتتألف القضية الشرطية من ثلاثة أطراف هي:

الأول : المقدم.

الثاني : التالي.

الثالث : الرابطة، وهي التي تدل على النسبة بين الطرفين الأول والثاني، كنسبة  الإتصال أو الملازمة أو التعليق أو النفي والتعاند بينهما، قال تعالى[وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ]( )، بتقريب وهو الإنفصال بين النعمة والشكر، والإتصال والمصاحبة بين مداهمة الضرر واللجوء إلى الدعاء، ومثل قوله تعالى[فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه]( )، فالمقدم هو: عمل الصالحات، والتالي الخير والثواب الذي يراه والرابطة هي الفاء في(فمن)

وتنقسم القضية الشرطية إلى قسمين:

الأول : القضية الشرطية المتصلة وهي التي يحكم بالإتصال بين المقدم والتالي أو تعليق أحدهما على الثاني مثل صل عند الزوال، أو نفي الإتصال والتعليق، بينهما ليس كلما رؤي الهلال لزم الصوم لأن الهلال يطل على الأرض أثنتي عشرة مرة في السنة، ومرة واحدة هي التي يصوم بها المسلمون، وقد أكرم الله عز وجل شهر رمضان بأمور:

الأول : إختصاصه بالذكر بالإسم في القرآن من بين أشهر السنة.

الثاني : نزول القرآن في شهر رمضان.

الثالث : ذكر هلال شهر رمضان على نحو التعيين بقوله تعالى[فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]( )، مع وجود قرائن تدل على إرادة شهر رمضان.

الثاني : القضية الشرطية المنفصلة، وهي على شعبتين:

الأولى : هي التي يحكم فيها بالإنفصال والتعاند بين طرفي القضية أو نفي الإنفصال بينهما مثل قوله تعالى في الأسرى[فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً]( ).

الثانية : وهي نفي الإنفصال بين أطراف القضية، ليس الجو إما أن يكون شمساً أ وممطراً.

فقد ينزل المطر والشمس طالعة، فنفينا الإنفصال بينهما، وهذا القسم قليل الإبتلاء لغة وعلماً، وكثير من الموضوعات ينتقي الإنفصال بينهما مثل: الإنسان إما مؤمن وإما كافر، الوقت إما نهار أو ليل وتنقسم كل من القضية الحملية والشرطية بلحاظ الكيف إلى قسمين:

الأول : الموجبة.

الثاني : السببية.

وبالنسبة لقوله تعالى في آية البحث(هذا بيان) فهو قضية حملية موجبة يثبت فيها المحمول للموضوع وليس بينهما فصل أو تعاند أو تعليق أو مفارقة، وتلك آية في فضل الله على الناس وتقريبهم إلى منازل الإيمان وتنحيتهم عن مستنقع الضلالة والغواية.

ويمكن أن نضيف تقسيماً جديداً للقضية بلحاظ البيان والوضوح وهو:

الأول : ما تكون القضية جلية ظاهرة.

الثاني : القضية التي تستلزم الواسطة القريبة والمتحدة، كما في المحسوسات التي يحكم بها العقل بواسطة الحسن.

الثالث : القضية التي تحتاج المتعدد من الوسائط، مثل التي تحتاج إلى التصور والحس والتجربة.

وجاء بيان القرآن في بيانه وهداه ومواعظه من القسم الأول، ونسبته للناس جميعاً من الكلي المتواطئ، لينهل الناس من علوم السماء بما يعينهم في الأرض، فمن كرم الله عز وجل أنه حينما أمر بهبوط آدم وحواء إلى الأرض لم يتركهما وإغواء إبليس، بل أنعم عليهما وعلى ذريتهما بالتنزيل والنبوة والوحي وما فيه من الكشف والبيان، قال تعالى[أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى]( ).

ثم بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لتكون رسالته الفيصل بين الحق والباطل، والبيان الجلي القريب من أذهان الناس على تباين مداركهم، فهو الرسول الدائم الذي لا يحتاج إلى واسطة بينه وبين أي إنسان فكلما أنه لس من حاجب أو برزخ بين بعد الإنسان والسماء، فكذا ليس من برزخ ومانع بين بصيرة الإنسان والبيان السماوي في القرآن.